كلوديوس جيمس ريج
260
رحلة ريج
من الحال أو ترجيح خدمة أخرى على خدمته . إن أكثر رجال عمر آغا بالإضافة إلى أنهم قبليين ، فإنهم سليلو أناس كانوا في خدمة والده ، فوالده الفقيه قادر وسكرتيره وزوجته وأخواته وإخوانه الصغار كلهم يعيشون في حرم عمر بك ، ويعتبرون جزءا من العائلة ذاتها ، ويشاركه رجاله كلهم السراء والضراء ، ويفعلون ما يفعل ويجوعون أو يلبسون الأسمال البالية عندما يجور عليه الزمن ، ويكسبون المال عندما يعود إلى منصبه ، كل ذلك دون تضجر ، أو تأفف ، بل إنهم يتلقون كل هذه كأمور اعتيادية لا مفر منها . وعمر آغا نفسه لا يعدو عن كونه مثلا لهذه الأخلاق وهذا الوداد . فالباشا وإن كان في الحقيقة يوده ودّا أكيدا إلّا أنه غلب على أمره بتحريض من عثمان بك الذي يكره عمر آغا فعامله معاملة قاسية جدّا . ولاقتناع عمر آغا بأن الباشا يوده وللاحترام العظيم الذي يكنه لعبد الرحمن والد الباشا فإنه لم يفكر مطلقا في التخلي عنه ، كما لم يبد تذمره منه إلا عند التحدث إلى من يعتمد عليه من الأصدقاء . وفي هذه الحالة لم يكن كلامه لينم عن تذمر أو تبرم بل إنه صوت توجع أليم ليس إلا . وعندما رثيت لضعف الباشا ، أجابني عمر آغا من فوره وبصدق واضح قائلا : « أؤكد لك يا سيدي بأنه ليس كذلك إنما هذا شأنه إزائي فقط » وما كان قوله هذا تصنعا بل كان منبعثا من الصميم ، وقد قاله حذرا من أن أجور فأظن في سيده . لقد انحط مستوى عمر آغا المالي لدرجة الفقر المدقع لسوء المعاملة التي يلقاها من جراء عداء عثمان بك له ، كما سبق أن ذكرت ، وهو لا يخفي سخطه عليه ، ومع هذا فهو لا يتشكى بل يبذل أعظم الجهد لكي لا يشعر بضيق ذات يده وحاجته . وبالرغم من مصاحبتي له منذ بضعة أشهر ، لم يظهر مثقال ذرة من التلميح أو الرغبة في الحصول على شيء مني ، ولو كان أغنى الأتراك في مكانه لما تردد في الاستجداء مني بصراحة خلال نصف تلك المدة . وعندما أوفدت قبل بضعة أيام تاتارا إلى استانبول تلك العاصمة التي أصبحت الآن تحوي كل